“نساء القمر”.. لاجئات ومهاجرات يصنعن المستحيل

يمن بوست/ مقالات 

كتب/ سماح الشغدري

المقال الفائز بالمركز الأول لجائزة “نجيبة الحمروني” من مركز المرأة العربية للتدريب والدراسات والبحوث  – كوثر–  بتونس  2021

———-

في البلدان التي تعيش صراعات داخلية يسود اعتقاد لدى كثيرين ان الهجرة طريق الى الجنة، ومع ان الامر ليس كذلك؛ الا ان جانب منه صحيح ايضا، والا فماذا سيعنى النجاة من الجحيم؟! غير ان الامر ليس بهذه السهولة وخاصة بالنسبة للنساء. فالشائع هو ان تواجه اللاجئات صعوبات وتحديات قد لا تكون في حسبانهن، لاسيما عندما يتعلق الأمر بالتأهيل او الحصول على فرصة عمل، ولأسباب عديدة  منها حاجز اللغة. الا ان هناك نماذج قوية استطعن تحدى  الغربة القاسية وانخرطن في الانشطة المجتمعية، او تطوعن في المنظمات وشاركن في الفعاليات الامر الذي ساعدهن على اكتساب اللغة والحصول على فرص اكثر. لذا اذا كنتي مهاجرة او لاجئة فان كسرك للحواجز التي من شانها ان تحد من قدرتك على صنع بصمة قوية دليلا على رغبتك في المشاركة وصنع الفارق، اكسريها.

مطلع مارس/ اذار من العام الماضي 2020 كان القلق والترقب سيدا المشهد، وبينما بدأ العالم ينكمش على نفسه، مغلقا الابواب والنوافذ بإحكام لمواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد – كوفيد 19، ولجأت معظم الدول لـ”العزل المنزلي” فارضة الكثير من القيود على الفرد والمجتمع كآلية احترازية، وجد مجموعة من المهاجرين واللاجئين في المانيا وبينهم عدد كبير من النساء أن الجلوس في المنزل وانتظار التوجيهات ليس حلا، وان الخطر اكبر وبحاجة لتكاتف الجميع.

وفي مدينة نوردرشتيت شكل عربا من اليمن، سوريا، العراق، تونس، الجزائر، والمغرب ومسلمين من الاكراد ومن ايران، افغانستان، تركيا، واشخاص من جنسيات مختلفة فريقا من المتطوعين قام عبر سيدة كردية تدعى هيروا أمين تدير مشروع (شارك بدلاً من المغامرة- Partizipieren statt Risegnieren) بالتنسيق مع مسؤولة الاندماج في البلدية السيدة هايدا كروكر لتنفيذ نشاطات تطوعية تساعد المجتمع على الالتزام بالحجر الصحي، ولحسن الحظ كنت احد المشاركين في المبادرة. وقد اتاح لي الانخراط في هذا النشاط التعامل مع عدد كبير من الناس.

وخلال ذلك استمعت الى قصص مليئة بالصعوبات والمعاناة واجهتها نساء مهاجرات ولاجئات، ولكوني واحدة من هؤلاء النسوة اللائي تركن الاهل والذاكرة والرائحة وبدأت مجددا من الصفر كنت مهتمة بالسماع لتلك لقصص كي اتعلم منها، ثم جاءت الفكرة: لماذا لا اكتب واوثق هذه القصص؟!  ومن حينها بدأت بإجراء المقابلات سواء عن بعد او وجها لوجه لتوثيق ما يمكنني الوصول اليه.

هيروا امرأة تحدت المستحيل لتساعد الاخرين

حتى اليوم مر ما يقارب ربع قرن على انتقال هيروا أمين من العراق الى المانيا. عندما قابلتها مؤخرا لغرض كتابة هذه المادة، عادت بي الى البدايات. اخبرتني كيف انها بين عشية وضحاها وجدت نفسها مضطرة الى مغادرة بلادها إثر اضطهاد تعرض له زوجها نتيجة لنشاطه السياسي، وكيف أنها لم تستسلم “كان ذلك عام 1995” تقول هيروا. خلال اقل من عام بدأت العمل في مكتب بريد لمدة ساعتين يوميا، وبعد فترة لم تكتف بذلك، فانخرطت في المجال التطوعي مع منظمة الدياكوني.

وبالنسبة لامرأة لديها ثلاثة  ابناء وثلاث سنوات من الخبرة في المجال التعليمي، انتقلت فجأة الى بلد لا تتحدث لغته؛ قد لا يكون مستغربا ان تواجه الكثير من الصعوبات في تقديم نفسها وممارسة انشطتها خاصة المتعلقة بالجانب العملي. لكنها راهنت على شهادتها الجامعية في “الهندسة الكهربائية” ففي سبيل الحصول على عمل عدلت شهادتها الجامعية كي تتوافق مع النظام الالماني، لكنها قوبلت بالرفض، ووجدت أن امكانية حصولها على عمل كـ”امرأة” شبه منعدمة، كون هذا التخصص محصور اكثر على الرجال. تقول هيروا ان مثل هذه المعلومة شكلت لها صدمة، ففي العراق يعتبر هذا التخصص مرغوبا به، ولم يكن يخطر ببالها ان السنوات التي قضتها في الدراسة ستذهب دون ان تعود عليها بفائدة. الا انها استطاعت بإرادتها القوية ان تكسر اكثر من صخرة.

في الدياكوني اسست هيروا مجموعة للنساء اللاجئات المقيمات في مدينة نوردرشتيدت سميت (نساء القمر- Mond Frauen) بهدف الالتقاء شهريا، وتنظيم رحلات وانشطة اجتماعية وثقافية لمساعدتهن في الحديث عن مشاكلهن وتزويدهن بمعلومات عن مجتمعهن الجديد. تضم هذه المجموعة نساء من أكثر من خمسين جنسية. وحاليا، ترى هيروا ان لتلك الخطوة فضل كبير في مساعدتها على الاندماج وبناء علاقات واسعة مع المجتمع الالماني، فهناك التقت بشخصيات شكل التعرف عليها مدخلا لهذا الاندماج، وساعدها في الحصول على فرص عمل افضل صقلت خبراتها.

تتحدث هيروا الى جانب الكردية ثلاث لغات؛ العربية، الانجليزية والالمانية. وقد اكتسبت الأولى خلال فترة اقامتها في مدينة البصرة التي درست في جامعتها، وتعلمت الثانية كون اغلب التخصصات في الجامعة  تدرس بها والثالثة عندما انتقلت الى المانيا، عملت لسنوات مترجمة لعدد من الجنسيات.

يعرف اغلب المهاجرين في  نوردرشتيت ومدن اخرى  هذه المرأة الاستثنائية، عندما وصلت المانيا مطلع العام 2017، وجدت اسمها يتردد كثيرا، وقابلتها بعد فترة وجيزة فقد كان يتوجب ان اجري بعض المعاملات، وكانت استثنائية بالفعل، وعندما قابلتها للكتابة عنها، عرفت ان لها عزيمة لا تقهر. لم تتغلب فقط على الظروف بل قهرت حتى المرض. في 2015 اصيبت بالسرطان، لكنها قالت بان لذلك فضل في جعلها تقاوم وتستمر في مساعدة الناس، اذ تعتبر مساعدة الاخرين علاج نفسي ساعدها على ان تتغلب على الوجع.

وشهد العام الذي اصيبت فيه هيروا بالسرطان تدفق موجات كبيرة من اللاجئين الى المانيا، فنشطت الى جانب كثيرين وعملت على تسهيل حصول كل من يحتاج للترجمة عليها، ورغم خضوعها لعملية جراحية وجلسات علاج كيماوي الا ان ذلك لم يجعلها تتوقف عن القيام بدور ترى انه كان يجب القيام به، وركزت على تقديم المساعدة للنساء بشكل خاص. وكما اخبرتني كانت لا تعود الى البيت للراحة بعد ان تخرج من المستشفى بل تتجه الى المكتب، ولم تكن تكتفي بإنجاز اعمال الترجمة لطالبي اللجوء بل تشرف على تحضيراتهم للجلسات في المحكمة مع المسؤول القانوني في الدياكوني. لم تخجل قط بسبب مرضها. وعندما تساقط شعرها بسبب العلاج، استعانت بباروكة حتى لا تنقطع عن الذهاب لتقديم المساعدة.

كانت قصص الرعب التي واجهها الهاربين من الحرب لا تتركها تنام الليل، واثر على نفسيتها الا ان رؤية السعادة والاطمئنان  في عيون من تساعدهم شكل لها مصدرا للقوة، كما اخبرتني.

كُرمت هيروا من قبل منظمة دياكوني كأنشط متطوعة عملت مع اللاجئين. ومنحت شهادة من حزب السلام الاخضر الدولي، كانت سببا في رفع معنوياتها وجعلها تطلب مساحة في حديقة “اشتات برك” لعمل انشطة ثقافية سميت بـ Interkulturelle Garden- حديقة الثقافات، يجتمع فيها نساء ورجال من المهاجرين للحديث عن ثقافات بلدانهم المختلفة، وقد الهم ذلك كتاب من اللاجئين قاموا بجمع 60 قصة لأشخاص من 40 جنسية، من المتوقع ان يصدروا كتابا يجمع كل هذه القصص قريبا.

كما اسست هيروا مجلة Wir Hier  التي تعنى بقضايا اللاجئين من جنسيات مختلفة. صدر اول عدد منها عام 2017 باللغة العربية، وبعد عام كانت المجلة تنشر مقالات بلغات مختلفة منها العربية، الالمانية، الافغانية والفارسي، قبل ان يستقر صدورها بالألمانية وبشكل دوري، وحاليا تطبع ما يزيد عن 2000 نسخة.

مع بداية العام 2018 انتقلت هيرو للعمل مع البلدية وخلال ذلك نظمت عدة انشطة ركزت على التوعية الاسرية ، واشرفت على انتاج افلام قصيرة  تناقش قضايا الاندماج وصعوبته لدى القادمين الجدد، كما تبنت نشاطا اسبوعيا لتعليم اللغة للأطفال، بمشاركة مجموعة من النساء التربويات المتطوعات.

ومع نهاية العام  2019 قرر الاطباء اجراء ثلاث عمليات جراحية لهيروا اثرت على الاحبال الصوتية مما جعلها ملزمة بالبقاء في المنزل وعدم التحدث لأكثر من ساعتين في اليوم. وخلال ازمة كورونا التي حدت من الانشطة المجتمعية لم تتوقف عن تقديم المساعدة. شخصيا رايتها تقوم بعقد جلسات لمتابعة امور اللاجئين في المخيمات، وقد استعانت بعدد من المتطوعين رجال ونساء قسمتهم للقيام برش المعقمات والحرص على النظافة، وكونت مجموعة من المتطوعين الذين عملوا على انتاج كمامات قماشية وصلت الى 4000 كمامة، وزعت على لاجئين من جنسيات مختلفة، وعلى عيادات كانت بحاجة لها.

عندما قررت الكتابة عن هيروا أمين ، طلبت ان اقابلها وقد وجدت نفسي امام امرأة يمكن القول انها صنعت قدرها بنفسها. تحدت الموت مرات عدة، غير ان ما ادهشني فيها امتنانها للمرض الذي تقول عنه “لقد اعطاني الاصرار لمواصلة النشاط وخدمة الآخرين”.

نماذج للاقتداء

في اوروبا بشكل عام، وفي المانيا بشكل خاص سجلت النساء المهاجرات واللاجئات حضورا متنامياً على مستوى المؤسسات والانشطة المجتمعية، الا ان هذا الحضور الذي يمكن ملاحظته يقابله أوضاع صعبة تواجهها الكثيرات، وفي حين يمكن الحديث عن عنصرية وتمييز وعنف لا يزال يمارس ضد النساء توثقه منظمات حقوقية مهتمة وتصدر حوله تقارير دورية، الا انني هنا فضلت تسليط الضوء على الجانب المشرق، على نسوة يقدمن صورة واعدة عن مستقبل الهجرة، ويصنعن قصصا ملهمة، رغم كل شيء.

تعمل السيدة ايمان ميكا في مخيم للاجئين، منذ قرابة الاربع سنوات. القادمة من العراق عام 2009 مع زوجها وطفليها، هي واحدة من النساء العربيات اللوائي وجدن صعوبة بالغة في الاندماج في البلد الجديد، الا انها اليوم تعتبر المانيا وطنها الثاني كونها فتحت ابوابها لعدد كبير من الفارين من بلدانهم بفعل الاضطهاد السياسي او الاقتصادي او الديني او نتيجة لويلات الحروب.

بدأ اسم ايمان ينتشر في اوساط مجتمع المهاجرين مع دخولها بداية عملها في المخيم، واثناء انتشار جائحة كورونا اصبحت واحدة ممن يحضون بالاحترام الكامل لدى اللاجئين والسلطات المحلية على السواء. في تلك المرحلة العصيبة فضلت الدوام في مكتبها رغم ارتفاع منسوب الخطر. بالنسبة لها كان تسهيل معاملات اللاجئين اهم، حيث لا يستطيع الكثير منهم التواصل بالهاتف لاستكمال اجراءات معاملاتهم سواء مع المدارس- اذا لزم الامر- او لتسيير أمور مادية يجب الايفاء بها، او لتنظيم بعض المواعيد مع الاطباء لبعض كبار السن، كما ان كثيرين كانوا يحتاجون تجديد اقامتهم، اضافة الى ان تسيير امور المخيمات أمراً هاما في حال حدث طارئ ما، كما تقول.

وعلى الرغم من انها حاصلة على شهادة في التربية الفنية من جامعة بغداد التي عملت فيها مدرسة لذات التخصص لمدة سبع سنوات بعد تخرجها، الا انها وجدت ان شهادتها الجامعية غير معترف بها، ومع ذلك لم تستسلم ووجدت في العمل التطوعي طريقا اخرا يمكن ان تبدا به رحلتها الجديدة، وبعد الكثير من المثابرة نجحت  في الحصول على وظيفة رسمية في الدياكوني، حيث كانت قد عملت هناك لعدة سنوات كمتطوعة.

نادية النجار، يمنية ومهاجرة اخرى واجهت صعوبات كثيرة قبل ان تستطيع تحقيق بعض النجاحات، شقت رحلتها الطويلة بكل عزم وثقة، وكل نجاح قادها إلى اخر- كما تقول- حتى حصلت على درجة الماجستير في العلوم السياسية، لكن ما يزال لديها أحلام كبيرة ومشاريع تسعى لتحقيقها. عند التحاقها ببرنامج الماجستير في العلوم السياسية في العام 2015  كان كثير من اللاجئين يقفون على أبواب أوروبا هرباً من الحروب المستعرة في بلدانهم، فيما تضغط بعض الأحزاب على ألمانيا واوروبا لمنعهم من الدخول.

وجدت نادية نفسها المرأة العربية الوحيدة التي تعمل مع بعض الطلاب الالمان  في جامعتها لحث الآخرين على مناصرة اللاجئين. نظموا مظاهرة شارك فيها أكثر من 3000 شخص، وصلت إلى أمام مبنى المستشارة الألمانية، في اليوم التالي خرجت المستشارة وصرحت بأنها تدارست القضية مع البرلمان، وتوصلوا إلى السماح للاجئين بالدخول ومساعدتهم.

حاليا تشارك نادية في تأسيس المركز اليمني الألماني ببرلين، لتكون صوت يمني يحمل قضايا البلد إلى العالم، تقول: المركز يهدف إلى تعريف الألمان بما يدور في اليمن، ونقل القضايا الإنسانية بحيادية، وعمل أبحاث ودراسات تظهر معاناة الناس، وتأثير الحرب على حياتهم وأوضاعهم المعيشية.

واجمالا، يمكن الحديث عن مئات وربما الاف القصص لمهاجرات يقدمن صورة واعدة عن مستقبل الهجرة ومستقبل مشاركة المرأة في الحياة العامة، غير ان الحقيقية المرة التي لا تزال واقعا ملموسا هو ان العنف ضد النساء والصعوبات التي تواجههن وتحد من قدرتهن على التعبير عن انفسهن لا تزال عالية. بحسب إحصائيات لمكتب الشرطة الجنائية الاتحادية، فأن العنف المنزلي في ألمانيا ازداد خلال السنوات الأخيرة وتعتبر اللاجئات والمهاجرات أكثر عرضة لهذا النوع من العنف، وبمناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة الذي يوافق الـ25 من نوفمبر/ تشرين الثاني دعت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل مواطنيها إلى عدم قبول العنف ضد النساء. تقول ميركل: “نحن مطالبون جميعاً بالتدخل عندما يكون هناك تهديد بالعنف ضد النساء أو حتى عندما يحدث ذلك، كما يجب أن يعرف الجناة أنهم سيواجهون عقوبات، ويجب أن تعرف المتضررات أيضاً من أين يحصلن على الدعم”.

* كاتبة وشاعرة من اليمن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *